جراحة العمود الفقري بالتداخل المحدود / د. محمد الصوص

JMDتقنية التداخل المحدود الحديثة والمتطورة تسمح بإجراء عمليات الفقرات كالديسك وغيرها من خلال فتحات صغيرة جداً. هذا ينعكس بشكل جذري على الآلآم المصاحبة للعمليات والتي لا تقارن بالعمليات التقليدية. يستطيع مريض عملية التداخل المحدود الحركة والمشي خلال ساعات قليلة بعد العملية، وفي عمليات الديسك (الانزلاق) مثلاً، لا يحتاج المريض للمبيت في المستشفى.

أما في العمليات الجراحية التقليدية يتم فتح الظهر من المنتصف بطول لا يقلّ عن 15-20 سم لعمليات تثبيت الفقرات مثلاً، ثم يتم قطع العضلات من أوتارها حتى يتمكن الجراح من الوصول للفقرات. تتضرر العضلات بشكل كبير بسبب هذا القطع من حيث ترويتها الدموية والعصبية، كما أنها تنزف بشكل كثيف أثناء العملية مما يتطلب نقل دم لنسبة كبيرة من المرضى.عدا عن ذلك، وبسبب الجرح الكبير وقطع عضلات الظهر، يتألم المريض بعد العملية وتتأخر حركته وعودته لمنزله وعمله وحياته الطبيعية.

 

أضف إلى ذلك كله نسبة ليست بسيطة من التهابات الجروح خصوصاً عند المرضى المصابين بالسمنة والمرضى كبار السن.

آلان تغير كل ذلك - والحمدالله - بفضل جراحة التداخل المحدود.

هنا يتم عمل فتحة صغيرة جداً على جانب العمود الفقري يتم من خلالها إدخال اسطوانات تقوم بتوسيع العضلات تدريجياً، ثم تجرى العملية باستخدام الميكروسكوب الجراحي المتطور لتكبير الصورة. وبسبب الفتحة الصغيرة (1,5 سم لعملية الديسك و 2,5سم لعملية تثبيت الفقرات)، وبسبب توسيع العضلات عوضاً عن قطعها، تغيرت جذرياً حياة مرضى الفقرات بعد العمليات.

الآلآم خفيفة جداً والمشي ممكن بسهولة خلال ساعات، والعودة للعمل خلال أسبوعين أو ثلاثة. قلّت أيضاً نسبة الالتهابات والمضاعفات.

سأشرح الآن المشاكل الثلاثة الرئيسية في العمود الفقري والتي تشكل الغالبية الساحقة من المشاكل التي تتطلب حلاً جراحياً. وللتوضيح سأستخدم أمثلة حقيقية من مرضاي:

أولاً: الديسك أو الإنزلاق الغضروفي

يشكو مريض الديسك الضاغط على العصب من الآم شديدة وخدران في الساق مع أو بدون الآم في الظهر.

يتم التشخيص سريرياً وتأكيده بصورة رنين مغناطيسي كما في الصورة (1)، والتي تبين انزلاقاً غضروفياً (ديسك) بين الفقرتين الأخيرتين لمريض عمره 35 عاماً.

 

صورة رقم (1)

يتحسن معظم مرضى الديسك في الواقع بدون جراحة! تبدأ الآلآم والخدران بشكل شديد ثم تخف تدريجياً وتلقائياً، ويمكن المساعدة بالمسكنات والعلاج الطبيعي وإبرة العصب, وهذه إبر كورتيزون تعطى في الظهر تحت بنج موضعي وباستخدام جهاز الأشعة، وهي بسيطة وفعالة وليس لها مضاعفات تذكر. إذا لم يتحسن المريض مع الوقت والمسكنات والإبرة، يمكن إجراء عملية بسيطة بالتداخل المحدود لإزالة الغضروف.

تتم العملية تحت بنج موضعي أو عام، وتستغرق 40-45 دقيقة بالطريقة التي سبق شرحها، ومن فتحة لا تتجاوز 1,5سم.

صورة رقم (2) تبين المنظر الذي يراه الجراح من خلال المنظار، فالتكبير يسمح برؤية العصب والإنزلاق بشكل آمن ورائع.

 

صورة رقم (2)

مريضنا اختفت الآمه – بحمدالله- مباشرة بعد العملية واستطاع المشي براحة تامة ومغادرة المستشفى خلال 6 ساعات بعد العملية. صورة رقم (3) تبين الجرح الصغير لهذة العملية.

 

 

صورة رقم (3)

ثانياً: تضيق قناة الحبل الشوكي

مشكلة شائعة جدآ بعد سن الخمسين أو الستين. مريض من دولة شقيقة، عمره 70 عاماً، ويعاني من ضغط وسكري. يشكو من الآم شديدة وثقل وخدران في الساقين تسبب له صعوبة في المشي. تطور الأمر في الأشهر الأخيرة حتى صار لا يستطيع المشي لأكثر من عشرة أمتار، يضطر بعدها للجلوس لدقائق حتى يتمكن من المشي عشرة أمتار أخرى، وهكذا. عنده الآم في الظهر لكن أمنيته أن يخف الألم و الخدر في ساقيه حتى يستطيع المشي.

تضيق قناة الحبل الشوكي سببه التغيرات التي تحدث في أربطة ومفاصل الفقرات مع تقدم العمر، فتتضخم وتضغط على قناة الحبل الشوكي والأعصاب مسببةً مشاكل الساقين التي ذكرتها. صورة (4) تبين الرنين المغناطيسي لمريضنا وتضيق قناة الحبل الشوكي لثلاثة فقرات.

 

صورة رقم (4)

هذه المشكلة - بعكس الديسك - لا تتحسن مع الوقت أو المسكنات أو العلاج الطبيعي أو الإبر. أفضل حل هو عملية تحرير أو توسيع قناة الحبل الشوكي، والحق يقال إن إجراءها بالتداخل المحدود يقترب من كونه ثورة في عالم جراحة العمود الفقري!

فالعملية الجراحية التقليدية تتطلب جرحاً بحوالي 20سم لتوسعة ثلاث فقرات. إنّ ما يصاحب هذه العملية من نزيف ومضاعفات وصعوبة في المشي، وتأخر في مغادرة المستشفى في مريض كبير في السن وعنده أمراض مزمنة برأيي، ليس عدلاً ولا علماً.

والأهم من هذا كله هو أن نسبة كبيرة من المرضى، حالتهم مطابقة لحالة مريضنا، تُجرى لهم عمليات تثبيت الفقرات بدون الحاجة للتثبيت!

والسبب ببساطة يعود لتقنية إجراء العملية. فمعظم الجراحين الذين يقومون بإجراء العمليات التقليدية يحررون قناة الحبل الشوكي بإزالة جميع الأنسجة الخلفية للفقرات من عضلات وأربطة وعظم، وهذا سبب رئيسي لإضعاف العمود الفقري واختلال اتزانه، ولذا يضطر الجراح لتثبيت الفقرات لمنع حدوث ذلك .

تعليقي على هذا الجزئية بسيط وواضح، إذا لم يوجد عند المريض أصلاً خلخلة أو عدم اتزان بالفقرات، فهو إذاً لا يحتاج لتثبيت الفقرات. وإذا كانت تقنية الجراحة التقليدية هي سبب عدم الإتزان، فالأولى إذاً إجراؤها بطريقة حديثة يتجنب بها الجراح الإخلال بتوازن العمود الفقري ومن ثم اضطراره لتثبيت الفقرات!!

بالتداخل المحدود يمكن توسعة جهتي قناة الحبل الشوكي من جهة واحدة، وبالتالي نحافظ على الأنسجة والعضلات والعظم، فلا نضطر لتثبيت الفقرات لأننا أصلاً لم نتلفها!

تم إجراء عملية مريضنا بالتداخل المحدود من خلال 3 فتحات صغيرة بطول 2سم لكل منها صورة (5).

صورة رقم (5)

 

تمكّن المريض -بفضل الله- من المشي بعد 4 ساعات من العملية مع تحسن واضح وكبير في الساقين، وخرج من المستشفى صباح اليوم الثاني، أي أنه بات ليلة واحدة في المستشفى، وهذا ينطبق على معظم مرضى هذا النوع من العمليات.

ثالثاً : إنزلاق (زحف) الفقرة على فقرة أخرى

هذه مشكلة كبيرة، فهنا توجد حركة غير متزنة أصلاً بين الفقرتين، وهي تسبب آلاماً شديدة في الظهر والساقين خصوصاً عند الوقوف والمشي. صورة (6) تبين زحف الفقرة الرابعة على الخامسة لمريضة من دولة شقيقة في الستين من عمرها.

صورة رقم (6)


هنا أيضاً تكون الأدوية والعلاج الطبيعي محدودة الفائدة، وأفضل حل هو تثبيت الفقرتين بالبراغي (البلاتين) مع وضع قفص معدني مكان الغضروف لتمكين التثبيت ومنع الحركة غير الطبيعية بين الفقرتين .

بالطرق التقليدية تتم هذه العملية من فتحة 15 – 20 سم، ويحتاج معظم المرضى لنقل دم بسبب النزيف الناتج عن قطع العضلات. كما يبقى معظم المرضى لمدة أسبوع في المستشفى بسبب الالآم وصعوبة المشي، والتي قد تستمر لأسابيع وأشهر بعد العملية.

تم إجراء عملية مريضتنا بالتداخل المحدود صورة (7)،

حيث تم ترجيع الفقرة الرابعة المنزلقة لمكانها الطبيعي ووضع القفص المعدني   . تم هذا كله من فتحة 3سم من جانب العمود الفقري وفتحتين كل واحدة منهما 1سم على الجانب الآخر صورة (8).

 

 

صورة رقم (8)

وبسبب ذلك – بفضل الله – لم تحتاج المريضة لنقل دم، واستطاعت المشي في اليوم الثاني للعملية بالآم بسيطة، وغادرت المستشفى في اليوم الثالث.

أخيراً، أرجو أن لايُفهم أبداً أن جراحة التداخل المحدود سهلة، فهي تقع على قمة السلّم التدريبي لجراحة العمود الفقري، وتحتاج لتدريب وخبرة سنوات طويلة، لكن فوائدها الكبيرة في تخفيف الآلام الناتجة عن العمليات وتقليل نسبة المضاعفات تستحق برأيي، كل هذه السنوات وكل هذا الجهد.

وكلي فخر أننا في عيادة الرازي نقوم حصرياً وروتينياً في الأردن بإجراء هذا النوع من العمليات، لقناعة مطلقة بفائدتها للمرضى من تخفيف آلامهم وتسريع عودتهم لحياتهم الطبيعية, وبنتائج تنافس - بإذن الله- مراكز ألمانيا وبريطانيا وأمريكا.

ملاحظة مهمة:

يمكن مشاهدة هذه العمليات وكيفية إجرائها بالفيديو على موقعنا الإلكتروني:

www.razispineclinic.com

 

المواد المنشورة في موقع الدليل الشافي

هي بمثابة معلومات فقط ولا يجوز اعتبارها

استشارة طبية أو توصية علاجية. 

    

تسجيل